القاضي عبد الجبار الهمذاني
375
شرح الأصول الخمسة
علوا كبيرا . وبعد ، فلو كان اللّه تعالى متكلما لذاته ، لكان يجب أن يكون قائلا فيما لم يزل : إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ [ نوح : 1 ] وإن لم يكن قد أرسل ، وأهلك عادا وثمودا وإن لم يكن قد أهلك . فإن قيل : ما أنكرتم أن المواد بقوله تعالى : إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أي سنرسل ، وأنه أَهْلَكَ عاداً [ النجم : 50 ] أي سنهلك عادا ، جريا على طريقة أهل اللغة ، فإنهم يذكرون لفظ الماضي ويريدون به الاستقبال نحو قوله تعالى : وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ [ الأعراف : 44 ] . وجوابنا عن ذلك ، أن الإرادة والكراهة إنما يؤثران في صفات الأفعال ، فأما في صفات الذات فلا ، وعندكم أن كونه متكلما من صفات الذات ، فكيف يصير كونه مخبرا عما مضى كونه مخبرا عما يستقبل بالإرادة ؟ وبعد ، فلو كان المراد بقوله تعالى : إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً أي سنرسل ، لكان يجب أن لا تتغير فائدته الآن ، حتى يكون غرضه ، وأنه أرسل نوحا وأهلك عادا ، أنه سيرسله ويهلكهم ، وذلك يقتضي كونه كاذبا تعالى اللّه عن ذلك . فإن قيل : ألستم تقولون : إن العلم بأن الشيء سيوجد علم بوجوده متى وجد ، فهلا جاز أن يكون الإخبار بأن الشيء سيكون ، خبرا عن كونه إذا كان . وجوابنا أنه لا يصح قياس أحدهما على الآخر ، لأن الدلالة قد دلت على أن العلم بأن الشيء سيوجد ، علم بوجوده ، متى وجد ، وأن المعلوم يتغير لا العلم ، ولم يقم مثل تلك الدلالة هاهنا ، بل قد علمنا أن الخبر الموضوع للدلالة على الماضي غير الخبر الموضوع للدلالة على الاستقبال ، كما أن صيغة الخبر في الجملة ، مخالفة لصيغة الأمر ، فافترقا . ومن خالف في هذا الباب فقد تعلق بأن قال : لو لم يكن القديم تعالى متكلما فيما لم يزل ، لكان يجب أن يكون أخرس أو ساكتا ، كما في الشاهد فإن أحدنا إذا لم يكن متكلما يجب أن يكون على أحد هذين الوجهين . وربما يوردون هذا على وجه آخر ، فيقولون : قد ثبت أنه تعالى حي ، فيجب أن لا يخرج عن كونه متكلما إلا إلى ضد هذه الصفة ، وضد الكلام هو الخرس والسكوت ، فيجب أن يكون أخرس أو ساكتا ، وفي علمنا باستحالة أن يكون اللّه تعالى موصوفا بالخرس والسكوت دليل على أنه لا بد من أن يكون متكلما لذاته على ما